شركاء في صناعة المستقبل |
تحديات التعليم التقني والمهني تضيع الاستفادة من عوائد الفرصة السكانية
الأربعاء, 29 آذار, 2017

  قبل سبع سنوات أسفرت جهود جمعت أطيافا من الخبرات على مستويات عدة في إطلاق "وثيقة سياسات الفرصة السكانية"، وتحديدا خلال العام 2010 توافقت تلك الجهود على أن الوصول لتلك المرحلة، التي اعتبرت "فرصتنا" لا تتحقق إلا باستثمار يركز على الإنسان النوعي، بتمكينه من الحصول على حقوق عادلة في الحياة والتعليم والعمل والوصول به لمرحلة الإنتاجية دون أن يكون عبئا على أحد أو حتى على الدولة.

وتستند الفرصة السكانية إلى توقع يشير إلى أن الأردن على أعتاب تحّول ديموغرافي تاريخي يحمل "فرصة سكانية" أو "نافذة إلى الفرصة الديموغرافية" يتوقع حدوثها خلال العام 2030، تصاحبها تأثيرات مختلفة على الحالة الاقتصادية والاجتماعية، تنعكس على شكل تحديات في حال لم يتم استغلالها بشكلٍ ملائم، وقد تكون فرصاً نافعة إذا ما تم رصدها والتخطيط والإعداد المسبق لها.

 ويؤمن الخبراء على أن واحدة من طرق الوصول تتحقق عبر التعليم الذي يسهم في بناء الفرد وتوسيع مداركه، وانعكاساته على طرق تفكير الفرد وأسرته في المجتمع، وهو ما يؤكده رئيس اللجنة الصحية سابقا في البرلمان رائد حجازين؛ إذ يقول: "إن التعليم أيا كان نوعه مهنيا أو أكاديميا يسهم في الوصول لمجتمع متعلم متدرب، ترتفع فيه درجة الوعي".

 وبحسب حجازين، فإن خلق الوعي لدى الأفراد يحتاج لاستثمار واستغلال وسائل الوصول للأفراد، بدءا من الأسرة قبل المؤسسات التعليمية، مشيرا إلى أهمية مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في لعب أدوار توعوية للأفراد بشأن أهمية التعليم وانعكاساته على أسرهم ومستقبلهم، واستغلال دور العبادة في نشر الوعي، والتركيز على مضمون المناهج التعليمية.

 ويتوق المختصون والمعنيون في الوصول لمرحلة يتحقق فيها تحسن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للمواطنين، عبر جملة مخرجات ذات علاقة بالتعليم والسكان والعمل والتدريب والصحة؛ إذ إن ظهور الفرصة السكانية يتحقق عندما يبدأ نمو أعمار الأفراد بين 15-64 سنة، بالتفوق بشكل كبير على نمو فئة المعالين في الأعمار دون سن الخامسة؛ فإن انعكاسات الفرصة ستتأتى من خلال رفع حجم قوة العمل ورفد سوق العمل بالأيدي العاملة المؤهلة والمدربة في حال طبقت السياسات المتعلقة في التعليم والتدريب وتأهيل الكوادر العاملة من خلال برامج مدروسة لتلبية احتياجات السوق، بحسب نتائج ملخص سياسات بشأن "تمكين قطاع التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني".

 لكن نتائج ملخص السياسات تحذر من تدني نسبة الملتحقين بالتدريب والتعليم المهني والتقني؛ إذ بلغت من إجمالي طلبة التعليم من نفس المستوى (التدريب المهني، والتعليم الثانوي، والتقني، ومستوى البكالوريوس) حوالي 10.3 في المائة في العام 2013.

 تلك النتيجة التحذيرية يعلق عليها أستاذ الاقتصاد منذر الشرع بالقول: "خلال الأعوام 2025- 2030 من المفترض أن يكون عدد الداخلين لسوق العمل كبير ومؤهل ومدرب، ما يستدعي برأيه ضرورة وجود خطط محكمة للاستفادة منهم في سوق العمل، ليكونوا منتجين، ومساهمين في خفض معدل الإعالة لتحقيق الادخار" لكنه يستدرك " ما لم يتوافر في تلك المرحلة التأهيل والتدريب فإنه لن يتم الحصول إلا على عكس التوقعات المتمثلة برفع نسب البطالة والإحباط".

 يتضمن ملخص السياسات الإشارة إلى ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل من خريجي التدريب والتعليم المهني والتقني، على نحو يعكس الحاجة لمواءمة برامج التدريب مع احتياجات سوق العمل، يقول الشرع : "إنه ينبغي على مؤسسات القطاع الخاص تدريب الموظفين بحسب احتياجاتها، أي تدريب من يبدي استعداده للتعليم، باعتبار أن التعليم والتدريب مهمان في تحقيق الفرصة السكانية".

 لكن قطاع التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني يواجه تحديا يتعلق بالنظرة السلبية للعمل المهني في المجتمع، إلى جانب ضعف القطاع الخاص في دعم التدريب والتشغيل لخريجيه، ويجد الشرع في ذلك فرصة للتأكيد على "أن التعليم المهني ليس عيبا، وإذ استطعنا توجيه الشباب للتدريب والتعليم التقني فإن ذلك أفضل".

 وتلفت العين السابق والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للسكان رائدة قطب إلى ضرورة التركيز على نوعية التعليم، ليس فقط التعليم الأكاديمي بل التعليم المهني والتقني لرفد المجتمع بكل الطاقات والقدرات التي يحتاجها.

 وفيما تؤكد البروفيسور في كلية الطب في الجامعة الأردنية ضرورة مساعدة هؤلاء الشباب على التعليم، فإنها تشير لجملة من العوائق المتعلقة بالتعليم والتدريب المهني؛ إذ إن التعليم المهني ومؤسسة التدريب تقدمان خدمات لكنها لا تستطيع شمول جميع الشباب الذين لم يحالفهم الحظ.

 وتبدو نسبة استثمار المؤسسات ذات العلاقة بالتعليم التقني والتدريب المهني تقل بشكلٍ ملموس عن طاقتها الاستيعابية، على نحو يشير إلى تدني الالتحاق ببرامجها، وينعكس على ارتفاع كلفة التعليم والتدريب للطالب الواحد فيها؛ فوفق ما تورده وثيقة سياسات الفرصة السكانية تتوفر برامج التدريب والتعليم المهني والتقني في (190) مدرسة ثانوية شاملة تتبع الوزارة، ويلتحق الطلبة أيضا في خمسين مركزا للتدريب المهني تتبع مؤسسة التدريب المهني بطاقة إجمالية تبلغ (15) ألف متدرب ومتدربة تقريباً، وفي (52) كلية مجتمع حكومية وخاصة يلتحق فيها (26) ألف طالب وطالبة.

 ذات القضية، والتي عنوانها الحاجة للتوجه للتعليم التقني والتدريب المهني، تحث ديوان الخدمة المدنية لتجديد دعواته عقب إعلان نتائج الثانوية العامة، بضرورة التوجه نحو التعليم في التخصصات التطبيقية والتقنية والمهنية والابتعاد ما أمكن عن التخصصات الأكاديمية وخصوصاً التعليمية والإنسانية، لوجود أعداد هائلة من تلك التخصصات في مخزون الديوان الخدمة المدنية، بما يتيح وعلى مراحل رفع نسبة الملتحقين بالتعليم المهني والتقني الى (60-70%) مقابل (40-30%) فقط للتعليم الأكاديمي في التخصصات التعليمية والإنسانية والتربوية.

 ويشير ملخص سياسات التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني إلى أن برامج التعليم والتدريب المهني والتقني في مستويات العمل الأساسية لا تفور فرصا للتقدم والترقي، وهو ما يدعو قطب للقول: بضرورة توفير الحوافز والشهادات وتعزيز نظرة المجتمع للتعليم المهني من خلال تقديم الحوافز والشهادات، ومنح المتجهين إليه تأهيلا في مهارات العمل.

 بحسب القطب، نوعية التعليم التقني تحتاج لتحسين وتطوير مع متطلبات العصر، إضافة لتشجيع الانخراط في التعليم الثانوي المهني كبديل للتعليم الأكاديمي.

 وتابعت، "نحتاج لتشريعات تحسن دور خريجي التعليم المهني والتقني في القطاع الخاص، إلى جانب ترشيد معايير وإجراءات استقدام العمالة الوافدة بحيث لا تحل محل العمالة الماهرة.

 وجددت القطب الدعوة لاستكمال إجراءات مجلس أعلى لإدارة الموارد البشرية لمؤسسات التعليم العالي وضبط الجودة للتعليم المهني، فضلا عن وجود معايير تضمن ترشيد التعليم العالي وجودته، وزيادة البحث والتطوير لتحسين عوائد الفرصة السكانية.

 ويعاني ديوان الخدمة المدنية من تفوق أعداد الخريجين في كل عام على الوظائف المطلوبة والشاغرة لدى الديوان.

وتختص دراسة العرض والطلب على التخصصات خلال العام 2015-20166 والصادرة عن الديوان سنويا، بالإشارة للتخصصات المشبعة والتخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وتوصي بتحفيز طلبة المدارس بالتوجه نحو مسار التعليم التقني في مراحل مبكرة (الصف العاشر الأساسي) من خلال إعطاء الطلبة المنح الدراسية الكاملة أو الجزئية ، والنظر في إمكانية إعادة امتحان (المترك) بحيث يفرز الطلبة إلى مسارات أكاديمية وأخرى تقنية، ووضع سياسات خاصة لكل مسار مع تحفيز المسار التقني.

 وتدعو التوصيات كليات المجتمع والجامعات للتوجه نحو تدريس التخصصات التقنية/التطبيقية والمهنية ، مع توفير الدعم المالي لها من قبل القطاع العام والخاص، نظراً للكلف الإضافية المترتبة على هذا النوع من التعليم مثل المختبرات الفنية والتدريب العملي.