لمحة سكانية

 

 

تنظيم الأسرة لتمكين الناس ولتنمية الأمم

 

يصادف اليوم 11 تموز ، اليوم العالمي للسكان والذي يهدف الى زيادة الوعي بالقضايا المتعلقة بالسكان، وتخصص الأمم المتحدة كل عام قضية سكانية تطالب دول العالم ومنظماتها بدعمها، وهذا العام 2017 يتزامن يوم السكان العالمي مع مؤتمر قمة تنظيم الأسرة، وهو الاجتماع الثاني لمبادرة تنظيم الأسرة 2020 ، والذي يهدف لتوسيع نطاق الوصول إلى تنظيم الأسرة الطوعي إلى 120 مليون امرأة إضافية بحلول عام 2020، لذلك خصصت الأمم المتحدة عام 2017 الاحتفال باليوم العالمي للسكان تحت شعار "تنظيم الأسرة لتمكين الناس ولتنمية الأمم".

ويُعرف تنظيم الأسرة على أنه "أنشطة تربوية أو شاملة أو اجتماعية تمكن الأفراد بما فيهم القاصرون من تحديد عدد أطفالهم والمسافة الزمنية بينهم بحرية واختيار وسائل تنظيم الاسرة المناسبة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك. فتنظيم الأسرة هو التخطيط للمدة التي يتم فيها إنجاب الأطفال، واستخدام تقنيات تنظيم الاسرة وغيرها من التقنيات الأخرى لتنفيذ تلك الخطط. تشمل التقنيات الشهيرة المستخدمة للثقافة الجنسية، والوقاية من الأمراض المنقولة جنسيًا، ومشورة ما قبل الحمل والإدارة وإدارة العقم  ، وتُطبق في الغالب على الزوجين من الإناث-الذكور الراغبين في تحديد عدد أطفالهم و/أو التحكم في توقيت الحمل (الذي يُعرف أيضًا بـالمباعدة الزمنية بين الأطفال).

يعد تنظيم الاسرة من اساسيات الحياة في دول العالم بلا استثناء وليس شأناً حديثاً، ففي عام 1968 وهو العام العالمي لحقوق الانسان أعلنت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عن حق الأفراد والزواج في تقرير وتحديد أفراد أسرهم، وفي عام 1994، دعا المؤتمر الدولي للسكان والتنمية  في القاهرةكافة دول العالم لاتخاذ الإجراءات اللازمة والخطوات الكفيلة بتلبية احتياجات السكان على صعيد وسائل وأساليب تنظيم الأسرة  في "حق الرجال والنساء في الحصول على المعلومات والوصول إلى وسائل آمنة وفعالة ومقبولة لتنظيم الأسرة باختيارهم." ، في عام 2008 بدأ الزخم على هذا الطريق بالتسارع والنمو بغية تحسين وتعزيز مفهوم تنظيم الأسرة في الأردن، كما ورد تنظيم الاسرة من ضمن غايات تحقيق اهداف التنمية المستدامة ال 17 ضمن الهدف الأول (القضاء على الفقر) وضمن الهدف الثالث (الصحة الجيدة والرفاه) والهدف الخامس (المساواة بين الجنسين)، حيث ان الوصول إلى تنظيم آمن وطوعي للأسرة هو حق إنساني. وأمرا محوريا بالنسبة إلى مساواة النوع الاجتماعي وتمكين المرأة، من خلال إعطاء المرأة القدرة على تقرير عدد الأطفال وفترات المباعدة بينهم، وهو عامل أساسي في الحد من الفقر. فعندما يتم تمكين النساء والأزواج لتخطيط ما إذا كانوا ومتى يرغبون في إنجاب أطفال، تصبح النساء قادرات على استكمال تعليمهن بشكل أفضل وتزداد استقلاليتهن داخل أسرهن كما تتحسن قدرتهن على تحقيق الدخل. مما يعزز أمنهن الاقتصادي ورفاهيتهن ورفاهية أسرهن، وبالتالي تسهم هذه الفوائد في الحد من الفقر وفي زيادة التنمية. 

وبالرغم مما تحقق من تقدم كبير على مدار العقود السابقة، الا انه لا تزال حوالي 225 مليون امرأة في مختلف انحاء العالم، يريدن أن يتجنبن حدوث الحمل ولكن هن وشركائهن لا يستخدمن وسائل تنظيم الاسرة المأمونة والفعالة، لأسباب الرغبات الغير ملباة الكثيرة منها : الخدمات والوسائل لا تتوفر في كل مكان، والاختيارات المحددة، الخوف من استهجان المجتمع او رفض الشريك يشكلان حواجز هائلة، الخوف من الاعراض الجانبية، والخوف على الصحة يجعل الافراد يتراجعون عن فكرة تنظيم الأسرة، البعض الاخر ينقصه المعلومات عن اختيارات وسائل تنظيم الاسرة واستخداماتها، هنالك ايضاً الملايين ممكن يستخدمون وسائل تنظيم الأسرة لتجنب حدوث الحمل، ولكنها تفشل.

علاوة على ذلك، فأن وظيفة أو مهمة تنظيم الأسرة لن تنتهي ابداً، في السنوات الخمس القادمة، حيث سيصل حوالي 60 مليون ولد وبنت الى مرحلة او سن النضوج الجنسي، ومعنى هذا أن أجيال وراء أجيال من الناس سيحتاجون الى خدمات تنظيم الاسرة.

بالرغم من تعدد التحديات الخطيرة الحالية على المستوى العالمي، الا ان الحاجة الى التحكم في الخصوبة تؤثر على حياة الفرد بقدر أكبر من أي قضية صحية أخرى. فأنها من القضايا الحرجة التي تؤثر على رفاهية الأفراد وبالتحديد المرأة، كما انها أساسية لتحقيق ذاتها.

وبحسب الدراسات الإحصائية، فإن الوعي بتنظيم الأسرة في مختلف دول العالم تمنع حدوث حالات حمل غير مخطط لها وتقلل من عدد حالات الإجهاض وتخفض حدوث حالات الوفاة والعجز المرتبطين بمضاعفات الحمل والولادة. فإذا تمكنت كل السيدات اللاتي لا يتم تلبية حاجتهن لوسائل منع الحمل من استخدام الوسائل الحديثة، فسيكون من الممكن تجنب 24 مليون حالة إجهاض إضافية (14 مليون حالة منها يمكن أن تكون غير آمنة)، و6 ملايين حالة فقدان للحمل، و70 ألف حالة وفاة بين الأمهات، و500 ألف حالة وفاة بين الرضع. وفضلا عن هذا، فان استخدام الواقي الذكرى والأنثوي، يوفر حماية ثنائية من الحمل غير المرغوب فيه والعدوى المنقولة بالاتصال الجنسي على حد سواء، بما في ذلك نقص المناعة المكتسبة.

إضافة الى زيادة وصول الفتيات المراهقات إلى وسائل تنظيم الاسرة الحديثة يمثل نقطة بداية مهمة لتحسين صحتهن على المدى الطويل كما وأنه ضروري لتحسين صحة الأمهات والمواليد. في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتعتبر مضاعفات الحمل والولادة السبب الرئيسي الذي يودي بحياة الفتيات المراهقات (في سن 15-19 عاما). كما يواجه أطفالهن الرضع خطر الوفاة أكثر بالمقارنة بأطفال السيدات الأكبر سنا. ومع هذا فإن المراهقات يواجهن تحديات ضخمة تحول دون وصولهن إلى معلومات وخدمات تنظيم الاسرة.

كما ان هنالك فوائد اقتصادية واضحة للاستثمار في تنظيم الأسرة، ففي مقابل كل دولار يتم استثماره في وسائل تنظيم الاسرة، تنخفض تكلفة الرعاية المتعلقة بالحمل بواقع 1.47 دولارا. تتراوح تكلفة فرصة العمر بالنسبة للحمل في فترة المراهقة – وهو قياس الدخل السنوي الذي قد تخسره الأم الشابة على مر حياتها – من 1 في المائة من الناتج القومي الإجمالي سنويا في اقتصاد كبير كالصين إلى 30 في المائة من الناتج القومي الإجمالي سنويا في اقتصاد صغير مثل أوغندا. وإذا تمكنت الفتيات المراهقات في البرازيل والهند من تأجيل إنجاب الأطفال حتى يبلغن أوائل العشرينيات من العمر، فمن شأن ذلك أن يزيد الإنتاجية الاقتصادية إلى أكثر من 3.5 مليار دولار الى 7.7 مليار دولار على التوالي.

يساهم تنظيم الاسرة في تحقيق "تحولاً ديمغرافيا"، حيث ان انخفاض معدل الإنجاب الكلي، سيعمل كأداة فاعلة لتحقيق التحول الديموغرافي المطلوب ويسهم في الوصول إلى "الفرصة السكانية" وبالتالي تحقيق الأهداف الوطنية للتنمية.وتظهر الفرصة السكانية عندما يبدأ نمو السكان في سن العمل (15-64 سنة) بالتفوق على نمو الفئات المعالة (الاطفال وكبار السن)، وما يصاحب ذلك من تأثيرات وانعكاسات على حجم السكان ومعدلات نموهم وعلى تركيبهم العمري وعبء الاعالة وعلى حجم السكان في سن التعليم والشباب وعلى سوق العمل، حيث من المتوقع ان يساهم الاستثمار الايجابي للفرصة السكانية في تحسين نوعية حياة المواطنين وزيادة معدلات التشغيل وخفض معدلات البطالة، والتمتع بمستويات عالية نسبياً من التنمية وتحقيق وفورات في قطاعات التعليم والخدمات الاجتماعية المختلفة الناجمة عن التغيير في التركيب العمري للسكان نتيجة لانخفاض معدلات الانجاب، و تشير  التقديرات الرسمية ( وثيقة سياسات الفرصة السكانية ) الى ان  الاردن يقف على أعتاب تحول  ديموغرافي في التركيب العمري  للسكان يصل ذروته بعد أقل من عقدين من الزمن، مما يعني دخول المملكة في نافذة التحول الديموغرافي "الفرصة السكانية".

هذا وما زالت معدلات الخصوبة في الأردن عالية نسبياً، فبالرغم من الجهود المبذولة من قبل الحكومة الأردنية وخصوصاً الحملات الإعلامية الخاصة بالاتصال التي تهدف إلى تحفيز الطلب على  خدمات تنظيم الأسرة الا ان هذا المعدل شهد انخفاضاً بطيئاً، فإن معدل الإنجاب الكلي، تبعاً لمسح السكان والصحة الأسرية للعام 2012 بقي ثابتا تقريبا بمعدل  يتراوح  ما بين 3.8- 3.5 بين عامي 2002 و 2012، كما ان المعدل الكلي لاستخدام الوسائل الحديثة لتنظيم الأسرة قد سجل نسباً ثابتة ما بين 41%-43% بين عامي 2007 إلى 2012، وعلى مستوى  التزويد وتقديم الخدمات، أظهر مسح السكان والصحة الأسرية للعام 2012 أن 74% من السيدات اللاتي لا يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة وتم زيارتهن من قبل عامل صحي خلال ال12 شهر السابقة أو أرتدن المراكز الصحية لا يناقشن موضوع تنظيم الأسرة مع عامل صحي او في المرفق الصحي، كما وعلى الرغم من ارتفاع معدل استخدام وسائل تنظيم الاسرة الا ان هناك ارتفاع في معدلات التوقف عن الاستخدام خلال السنة الاولى، حيث اظهر  مسح السكان والصحة الأسرية للعام 2012 أن 17% من السيدات المتزوجات توقفن عن استخدام وسائل  تنظيم الأسرة ولم يستمرن بها، كما وأظهر مسح السكان والصحة الأسرية للعام 2012 ان هناك حاجة كبيرة غير ملباة لتنظيم الأسرة تقدر بحوالي 12%، كما اظهر المسح ايضا بأن معدل الإنجاب الكلي البالغ 3.5، اعلى بنسبة 46% مما كان يمكن ان يكون عليه في حال تفادي حالات الإنجاب غير المرغوب به.

اتجاهات معدل الانجاب الكلي بالأردن خلال السنوات (1990-2012)

  

 

 

  

المصدر: دائرة الإحصاءات العامة، مسح السكان والصحة الأسرية  2012

 

الاستعمال الحالي لوسائل تنظيم الاسرة بالأردن للأعوام (1990-2012)

   

 

 

 

 

المصدر: دائرة الإحصاءات العامة، مسح السكان والصحة الأسرية 2012

ومن المعيقات التي تواجه استخدام وسائل تنظيم الاسرة والطلب عليها المعتقدات الدينية والثقافية ووجهات النظر المؤيدة للأسر الكبيرة والتي تركز على أهمية إنجاب أطفال ذكور بالإضافة إلى عدم إعطاء النساء حقوقهن الإنجابية بشكل كامل ويتمثل في حقهم في اتخاذ القرارات التي تتعلق بتنظيم الأسرة. وعدم وجود دعم حكومي عالي المستوى لتنظيم الأسرة، والقوانين المعقدة المتعلقة باستيراد وشراء وتسجيل الأدوية والمعدات الصحية.

 

والمجلس الأعلى للسكان كجهة وطنية مرجعية لكافة القضايا السكانية المتعلقة بالتنمية من خلال التنسيق مع الشركاء المعنيين لوضع السياسات والاستراتيجيات وخطط العمل، عمل المجلس الأعلى للسكان على التشبيك والشراكة مع مختلف الهيئات والمنظمات غير الحكومية والحكومية والجهات الرسمية التي من شأنها تحقيق افضل النتائج للفئات المستهدفة لخدمة أكبر شرائح من مجتمعنا الأردني وفئاته من النساء والأطفال وقطاع الشباب والرجال بالقضايا السكانية والتي تتضمن تنظيم الاسرة، كما وسعى المجلس الى تأسيس واستمرارية أنشطة رفع الوعي بقضايا تنظيم الاسرة، وفي هذا المجال يعمل المجلس على اعداد وتنفيذ ومتابعة الاستراتيجية الوطنية للصحة الإنجابية/ تنظيم الاسرة للأعوام (2013-2018) والتي تم اعدادها  ضمن نهج تشاركي للجهات المعنية بتقديم خدمات او معلومات الصحة الإنجابية/ تنظيم الاسرة بناء على النجاحات والدروس المستفادة من المرحلة الأولى للخطة الوطنية للصحة الإنجابية/ تنظيم الاسرة المرحلة الأولى للأعوام (2003-2007) والمرحلة الثانية للأعوام (2008-2012). وتعرض الاستراتيجية إطار عمل شامل للصحة الإنجابية/ تنظيم الأسرة الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية الأردن للعام 2025، والتي تهدف إلى دفع الأردن بشكل ثابت تجاه تحقيق التحول الديموغرافي بحلول العام 2030، الأمر الذي يتطلب تحقيق معدل إنجاب كلي يبلغ 2.1 لكل سيدة في سن الإنجاب، وإحداث التغيير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية الداعمة للوصول للفرصة السكانية.

 
الصفحة الرئيسية


المجلس الأعلى للسكان ، جميع الحقوق محفوظة © 2010 - 2016